تطرح الكاتبة زها حسن مع تشارلز جونسون تساؤلات حادة حول طبيعة “مجلس السلام” الذي أُعلن حديثًا، حيث يرى الكاتبان أن المبادرة تفتقر إلى الشفافية والحوكمة السليمة، رغم الوعود الكبيرة بإعادة إعمار غزة وتحقيق السلام. ويؤكدان منذ البداية أن أي انخراط دولي أو تمويلي في هذا المجلس يجب أن يسبقه إصلاح جذري يضمن الرقابة والمساءلة.
في هذا الإطار، يوضح تحليل مؤسسة كارنيجي أن المجلس، رغم تقديمه كمنصة متعددة الأطراف، يخضع فعليًا لسيطرة كاملة من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ما يثير مخاوف جدية بشأن طريقة إدارة الأموال وتوجيهها، خاصة في ظل غياب آليات واضحة للإشراف المالي أو الالتزام بالقانون الدولي.
مجلس بسلطات مطلقة يثير القلق
يكشف الكاتبان أن ميثاق “مجلس السلام” يمنح ترامب سلطات واسعة وغير مسبوقة، حيث يستطيع تحديد الأجندة، وحسم الخلافات، وتعيين القيادات، بل وحتى حل المجلس نفسه. كما يملك سلطة كاملة على القرارات المالية من خلال مجلس تنفيذي يختاره بنفسه، ويضم مقربين منه سياسيًا وشخصيًا.
يثير هذا الهيكل انتقادات دولية واسعة، خاصة من دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا، التي ترى أن المجلس قد يقوض دور الأمم المتحدة ويشكل بديلاً غير متوازن لها. كما عبّر مشرعون أمريكيون عن قلقهم من تركيز السلطة في يد شخص واحد، ما يفتح الباب أمام سوء استخدام الموارد.
ويشير التحليل إلى أن هذا النموذج يفتقر إلى المعايير الأساسية للمنظمات الدولية، مثل التوازن بين الدول الأعضاء والرقابة المستقلة، ما يضعف مصداقيته ويحد من قدرته على تحقيق نتائج حقيقية على الأرض.
أموال ضخمة بلا وضوح في المصير
يجذب المجلس تعهدات مالية كبيرة، حيث تصل المساهمات المعلنة إلى نحو 17 مليار دولار، بينما تحتاج إعادة إعمار غزة إلى ما يقارب 70 مليار دولار. ورغم هذا الفارق الكبير، تظل آليات جمع الأموال وإنفاقها غير واضحة.
تطرح تساؤلات حول كيفية إدارة هذه الأموال، خاصة مع وجود مفاوضات لإنشاء حساب خاص في بنك تجاري تحت إشراف المجلس، ما يزيد المخاوف بشأن الشفافية. كما لا يحدد الميثاق قواعد واضحة لتجنب تضارب المصالح أو لضمان توجيه الأموال نحو أهداف إنسانية وتنموية حقيقية.
في الوقت نفسه، يلفت الكاتبان إلى أن بعض الدول المانحة لم تحدد بوضوح أهداف مساهماتها، سواء كانت لدعم إعادة الإعمار أو لضمان نفوذ سياسي داخل المجلس، ما يعكس حالة من الغموض وعدم الثقة.
بدائل قائمة أكثر موثوقية
يقارن التحليل بين “مجلس السلام” وآليات قائمة بالفعل، مثل صناديق البنك الدولي متعددة المانحين، التي تعمل وفق معايير رقابية واضحة وتشارك فيها السلطة الفلسطينية. يرى الكاتبان أن هذه الآليات توفر فرصًا أفضل لضمان وصول الدعم إلى الفلسطينيين بشكل فعّال.
ينتقد الطرح الجديد لإعادة إعمار غزة، الذي يتجاهل الخطط الفلسطينية الرسمية ويركز على نموذج “غزة الجديدة”، الذي قد يفصل القطاع عن بقية الأراضي الفلسطينية ويعيد تشكيله ديموغرافيًا واقتصاديًا بطريقة مثيرة للجدل.
كما يحذر التحليل من أن غياب القيود على استخدام الأموال قد يفتح الباب أمام توظيفها في أنشطة أمنية أو سياسية، بدلًا من توجيهها نحو الاحتياجات الإنسانية العاجلة، مثل الإسكان والتعليم.
الطريق نحو إصلاح حقيقي
يدعو الكاتبان إلى إعادة هيكلة شاملة للمجلس قبل أي دعم مالي، تشمل تقليص صلاحيات رئيسه، وضمان مشاركة متساوية للدول الأعضاء، وإدخال آليات رقابة صارمة على إدارة الأموال. كما يشددان على ضرورة إشراك الفلسطينيين، خاصة من خلال السلطة الفلسطينية، في أي عملية تخطيط أو تنفيذ.
ويقترحان توجيه التمويل نحو الأطر الدولية القائمة التي تحترم القانون الدولي وتدعم حل الدولتين، بدلًا من الاعتماد على هيكل جديد غير مستقر. كما يؤكدان أن الكونجرس الأمريكي يجب أن يلعب دورًا رقابيًا لضمان عدم استخدام الأموال العامة دون تفويض قانوني واضح.
في النهاية، يخلص التحليل إلى أن إعادة إعمار غزة لا تتطلب فقط أموالًا ضخمة، بل تحتاج إلى نظام حوكمة عادل وشفاف يضع مصلحة السكان في المقام الأول. بدون ذلك، قد يتحول “مجلس السلام” إلى أداة سياسية تزيد تعقيد الأزمة بدلًا من حلها.
https://carnegieendowment.org/research/2026/03/the-board-of-peace-and-funding-for-gaza-reconstruction-on-whose-account

